شلبكية سريعة
الرئيسية / كتّاب سبيل /  أنا مبعرفش!!!

 أنا مبعرفش!!!

كتبت: شيرين بسيسو

 ص 12 من العدد الجديد 67

بعنوان : أنا مبعرفش!!!

مـــــــــــــال برأسه نحو أذني هامسا وقال ..إكتشفت مؤخرا إنني مبعرفش…ما بعرفش أفرح، مبعرفش أتكلم، مبعرفش أحس ، مبعرفش أحب و مبعرفش أعيش..كان هذا رد الأستاذ إبراهيم علي سؤالي عندما بادرته قائله : مبارك إن شاء الله.. لا بد أنك سعيد جدا بنجاح قضيتك الأخيره والتي  بسببها أطلق عليك  الجميع لقب”المحامي المعجزه”.

صعقني الرد .. وظهر ذلك جليا علي وجههي ، إلا هذا لم يمنع إبراهيم من الإستمرار في الابتسام وتحيه من حوله ببشاشه كبيره.

إبراهيم محامي ناجح جدا ، شارف علي العقد السادس من عمره ، ما ميزه عن غيره أنه بدأ مجال المحاماه في كندا في سن متأخره..فقد جاء الي هذه البلاد و هو في الثلاثينات من عمره.. جاء محملا بشهاده عاليه وزوجه و اولاد .. تاركا خلفه مستقبلا كان من الممكن أن يكون واعدا لولا الظروف السياسيه في وطننا العربي..تنقل إبراهيم من وظيفه الي اخري في محاولات يائسه للبحث عن لقمه العيش و توفير مصاريف الاسره .. شهادته العليا لم تكن لها قيمه هنا و كل ما حصل عليه وظائف لا تتناسب مع مركزه العلمي أو الاجتماعي و لا تتوافق مع طموحه الذي يكاد أن يصل الي عنان السماء.

و أخيرا و عندما ضاقت به السبل قرر الرجوع الي مقاعد الدراسه مره أخري و البدأ في مجال جديد و هو القانون.. لم يثنيه عمره و لا مسؤولياته عن التفوق في دراسته .. كان أكبر الطلاب سنا  وأنجحهم من ناحيه التحصيل العلمي.. استطاع في فتره وجيزه إكتساب احترام أساتذته لأصراره علي النجاح ، و محبه زملاءه الذين وجدوا فيه أخا أكبر او حتي أبا.. فإبراهيم يتميز ” بكريزما” عاليه جدا تجعله محط الانظار دوما.

تخرج إبراهيم من الجامعه في وقت قياسي و خلال فتره وجيزه حصل علي الرخصه لممارسه مهنه المحاماه..وسريعا بدأ أسمه يلمع في الجاليه.. فقد كان إبراهيم متميزا بالاخلاق العاليه و الصدق مع زبائنه مما أكسبه مكانه محترمه في المجتمع..

كان لقائي به منذ حوالي عشر سنوات .. كنت وقتها في بدايه رحلتي العمليه في كندا .. لا استطيع ان انكر فضله علي .. فقد أخذني تحت جناحه لفتره و علمني الكثير .. أدين اليه بالكثير فيما إستطعت أن أحقق في عملي من نجاحات.. فقد كانت دائما ذاكرتي حاضره فيما غرسه فيها من معلومات و خبره .

مع مرور الوقت و مع إتجاهي الي العمل الحر إبتعدنا،  و سار كل في طريقه، و لكن ذلك لم يمنعنا من أن نبقي علي تواصل من وقت لاخر من خلال الهاتف او الايميل، لذلك فقد فرحت جدا عندما عدت و رأيته في تلك الليله صدفه في حفل عشاء صديق مشترك  شاءت الاقدار ان البي دعوته في آخر لحظه ، و كأن القدر كان يدفعني دفعا للذهاب كي القاه. تغير  إبراهيم بعض الشئ.. زادت التجاعيد  علي وجهه و خط الشيب جانبي رأسه مما زاده وقارا  و جاذبيه.. لاحظت أنه مازال يحتفظ بلحيته و شاربه، و رغم أن غزو الشعر الابيض لهم كان يعطيه اكثر من عمره، لكنه كان دوما مخلصا لفكره الشنب و الذقن و إرتباطهما بالرجوله .. كانت كلمته دوما أنا رجل، و الذقن و الشنب شئ لزوم الشئ.

كنت قد لبيت الدعوه وحدي الي العشاء و كذلك كان إبراهيم،  و بالطبع وجد كلنا منا السلوى في الآخر في وسط هذا الكم الهائل من أناس نعرفهم و لا نعرفهم .. بعد إنتهاء العشاء إنسحبنا بهدوء الي حديقه منزل صاحب الدعوه ، كنت أريد ان اتطمن عليه و أعرف أخباره.. فتلك الابتسامه الزائفه و التي تعلو وجهه دائما لم تخدعني ، فأنا أعرفه جيدا و أعرف قدرته الفائقه بالتظاهر بالسعاده و الارتياح ..لكن من يدقق في عينيه يرى بحرا عميقا يخفي بداخله كم هائل من الغموض والحزن.

دون مقدمات او دباجه سألته ماذا يعني” الان ما بعرفش أفرح.. و مبعرفش أعيش”.. و الاشياء الكثيره التي أجبتني بها في بدايه اللقاء.. ما بك و ماذا حدث..تنهد إبراهيم و أحسست أنه مستعد تماما للفضفضه و إنه بحاجه اليها أكثر مما كنت أتوقع. بدأ قائلا ،العائله بخير و ألاولاد في أحسن حال ، منهم من تخرج من الجامعه و يستعد للزواج و منهم من أصبح علي وشك التخرج و بدأ حياته العمليه .. والدتهم سيده طيبه  وفي حالها لا تعنيها أموري او مشاكلي..هي لم تحب قط العيش في كندا لذلك بنت لنفسها عالما خاصا تعيش فيه بعيدا عن الواقع.. فقد أصبح الفيسبوك صديقها الحميم، و أصبحت  هي عضوه في كثير من المنتديات  ولها الكثير من الاصدقاء في كندا او خارج كندا لا تعرفهم او تراهم فقط تراسلهم و تودهم من خلال الانترنت. علاقتي  اليوميه بها تقتصر علي إخطاري بما أعدت لي من طعام و إخباري عن مشاكل الاولاد ثم الإنسحاب بهدوء  لتعود لعالمها الخاص..لقائي بها عند عودتي للبيت ما هو الا دقائق معدوده تعد لي الطعام ثم تسرع للتتواصل مع اصدقاءها من خلال هاتفها النقال.. اما الاولاد فلغة الحوار شبه معدومه، لا أراهم تقريبا ،اما إن اردت  الحديث معهم، فيكون ذلك بأن ابعث لهم رساله عبر الهاتف  للتواصل أو السؤال،رغم وجودنا في نفس البيت.

إحساس قاتل بالوحده.. سنين مرت كنت  أكبر فيها سنا و مركزا ووحده.. حاولت التقرب من الجميع، لكن الكل كان سعيدا و مرتاحا في تسير حياته بإستراتجيته الخاصه .. لذلك لم يكن مستغربا أن أقع في حب دلال عندما تعاملت معها..

دخلت حياتي صدفه كزبونه لمكتبي .. و بحكم قضيتها تعاملنا عن قرب و عرفت عنها الكثير..وقعت في حبها، فقد أعادت لي شباب قلبي بإهتمامها بي و سؤلها عني.. لم تنقطع علاقتنا بعد القضيه بل زادت قويه.. دلال لم تكن صغيره في العمر.. لم تكن نزوه، بل كان سنها يقارب سن زوجتي، لكن كان بداخلها حياه وأحاسيس فتاه في الثامنه عشرة.

و دون أن أعرف كيف، أصبحت دلال “أكسير حياتي” .. كانت حبيبتي و صديقتي و إبنتي و سندي.. صراع كبير لسنوات بين ولائي لبيتي و حبي لدلال.. و في لحظه تجرأت و تزوجتها و لكن في السر ..قبلت دلال بذلك الزواج مع انه لا شئ يجبرها عليه ، لكن كلانا كان محتاجا للاخر.. انا، كنت اتوق شوقا لحبها ووجودها بقربي لتمدني بالحب و الونس، و هي لحاجتها الي رفيق يكسر وحدتها و يشعرها بالاهتمام في بلد اكثر ما يميزه هي البروده سواء علي صعيد الجو او علي صعيد الاحساس بالوحده.

ظنت دلال انني سأكون بقربها .. قبلت بذلك الزواج و سلبياته مقابل أن تشعر ان لها سند و ان هناك من يهتم بها.. كانت تعاتبني قائله لا اريد اكثر من مكالمه او لقاء سريع او حتي رساله هاتف لكني أعترف أنني لم أستطيع أن اوفق بين مسؤلياتي المعتاده و مسؤليه دلال علي بساطتها.. كنت أجور علي حقها و كانت تقبل ليس ضعفا بل حبا… كنت أدرك ذلك، لكني لم أفهم انه مع زواجي منها كان يتحتم علي أخذ العلاقه الي مرتبه أعلي..

أذكر مره، أنها في أحد اللحظات قالت لي أعلم انني لن أكون في مرتبه زوجتك و اولادك و لا اطالبك بذلك.. لكن انا زوجتك و كل ما أطلبه القليل من الاهتمام.. أجبتها في لحظتها بقسوه قائلا لا أستطيع فعل أكثر مما أفعل.. نكست راسها و ارخت دمعتها و قالت متسائله لا تستطيع ان تشعرني ببعض الاهتمام!!! ثم تركتني و مضت. لا أستطيع ان أنكر أيضا أن وجودها بقربي كان قوه لي في مواجهه الكثير من التحديات .. لم يمر الكثير من الوقت حتي تكفل أولاد الحلال من ” الاصدقاء” في إخبار زوجتي بموضوع دلال.. تبدلت دنياي.. تحولت حياتي إلي جحيم.. و هددتني زوجتي و هددني الاولاد.. أحسست ان الدنيا قد ضاقت علي .. تكاثرت علي المشاكل فجأه .. ربما كانت المشاكل موجوده لكنني لم أعد أستطيع حلها أو التعامل معها ..أصبح همي الوحيد هو إطفاء ذلك الحريق الذي شب في المنزل فجأه..

منذ البدايه كانت الصوره واضحه و جليه أمام عيني..كنت أعي ان غضب زوجتي ما هو الا عند و كبرياء .. أحست فقط أنني أهنتها عندما تزوجت بأخرى.. لم تكن تحارب من أجل زوج تحبه ..بل من أجل زوج وفر لها مطالب الحياه الكريمه..و يسر لها ما تريد من دنياها..عاتبتني علي زواجي من دلال  بقسوه  وتناست انني كنت أمامها أعاني من الوحده و الاهمال بينما كانت  هي تعيش في عالمها الخاص بعيدا عني..  ذكرتها بمحاولاتي المستمره في جذبها الي حياتي و دعوتي المتكرره لها لتكون معي لكنها صمت أذنيها..  كان كل ما يهمها أنني تزوجت عليها…أما الاولاد فقد أخذوا صف أمهم لا أكثر .. غضبهم من زواجي كان نوعا من الانانيه لما ستؤول اليه الحياه الجديده لو أن زواجي من دلال إستمر … فكرت واستشرت و قارنت بين الكفتين ، كفه دلال و أنا،  و كفه الاولاد و أمهم ..و مع  قناعاتي بانني سأنتهي وحيدا و أن أولادي ربما سيلقون بي في دار مسنين في يوم ما، الا ان كفه دلال خسرت بكل ما فيها من حب و راحه و إنتصرت كفه الاولاد و أمهم..

نظر الي إبراهيم للحظه و قال .. اتدرين ماذا فعلت.. إبتعدت عنها لمده شهرين لم أرد علي رسائلها .. لم أعيرها أي إنتباه ثم أرسلت لها رساله أنهي علاقتي بها.. نعم أنهيت علاقتي بزوجتي و قتلت حبيبتي برساله هاتفيه..لم تجادلني و لم تعاتبني بل وافقت علي طلبي، لكنها سألتني سؤالا واحدا ، سؤلها كان : من أين أتيت بكل تلك القسوه؟؟ لم أستطع الاجابه .. تركتها  و هي في أمس الحاجه لي.. تركتها و هي تواجهه مصاعب لا قبل لي أنا بمواجهتها.. تركتها وحيده.. حائره.. مكسوره.. طويت صفحتها و صفحه قلبي الى الابد

منذ ذلك الوقت لم أعد أشعر بشئ لم أعد اعرف كيف أفرح.. أحب أو أعيش..أما زوجتي، أم ألاولاد، أحست بالانتصار و عادت الي عالمها الخاص من خلال الفيسبوك و المنتديات المختلفه.. أصبحت ألان أكثر بعدا عني. ترمقني بين الحين و الاخر بنظرات لا أدري كيف أفسرها… اما الاولاد فلم أعد أراهم.. اصبحت أشعر أنهم يتجنبون تماما التواجد معي في أي مكان.. يعاقبونني لانني تجرأت و طالبت حقي في  أن أشعر بالحب و الاهتمام و لو لايام معدوده الي أن يقضي الله أمرا مقضيا.. خلصت السهره و انتهى الكلام ..أما أنا فقد فهمت معني “أنا ما بعرفش”!!!  إفترقنا علي وعد بلقاء علي فنجان قهوه عندما تسمح الظروف..عاد كل منا الي حياته، و ظل إبراهيم في بالي رمزا لنوعين من التناقضات التي نعيشها كل يوم دون أن نعي…

الأستاذ إبراهيم، المحامي المشهور،رجل المجتمعات، و المحامي المعجزه، ينادي للحريه ، معروف بمواقفه الكثيره في المجتمع، لكنه في الحقيقه عبد مسلوب الاراده ، و مستعبد في أهل بيته وبين اولاده..هو  داعيه للعدل و السلام و الانسانيه، و قاتل ذو قلب بارد قاسي، قتل إمرأه لم تكن تكن له سوى الحب و لم تطمع منه إلا بشئ من الاهتمام!!

 

 

شاهد أيضاً

في كندا: أمة لا تقرأ هي أمة زائلة لا محالة

عابر سبيل     عابر سبيل لهذا العدد الدكتورة  رجاء مشعل* **** إلى متى التشتت …