الرئيسية / كتّاب سبيل / جميلتي والقصر

جميلتي والقصر

 

شيرين سبيل ص 12 العدد الشهري رقم  65 

بعنوان : جميلتي والقصر 

كتبت : شيرين بسيسو

جمالها في ذلك اليوم كان خرافيا.. يعجز الكلام عن وصفه.. لم تكن إنعكاسات الاحجار الكريمه والتي رصعت ثوب زفافها  هي السبب في ذلك النور الذي كان يحيط بها بل كانت سعادتها  الغامره هي ما أضفت عليها تلك الهاله من النور جعلتها تتلألأ كقطعه جميله من الكريستال الاصيل سقط عليها شعاع من النور. جميله هي صغيرتي ، بشرتها بيضاء مشبعه ببعض من الحمره الطبيعيه.. عيونها واسعه تشع منها الشقاوه و السعاده .. شعرها طويل يستلقي علي ظهرها بإستقامه و دلال.. ملفوفه القد ليست بالطويله او القصيره..  مواصفاتها كامله و الكمال لله وحده. تلك هي لمى كما أذكرها منذ عشر سنوات. كانت تجمعني بوالديها معرفه كانت في وقتها قويه.. عندما رأيت لمى أول مره بهرني جمالها و ذكاؤها و شقاوتها..كانت قد أكملت العام الثامن عشر من عمرها.. كانت تتطلع الي الحياه بتفاؤل ورغبه جامحه في الانطلاق و الاستمتاع بكل دقيقه فيها.. والد لمى ووالدتها كانا يمران بمشاكل بينهما في ذلك الوقت و كانت لمي تلعب دور حمامه السلام بينهما بإعتبارها أكبر إخوتها. خلال تلك الفتره جاء عريس للمى طالبا إياها للزواج، سألني الوالد رأي و أجبت ان البنت صغيره جدا على الزواج. لقد أنهت دراستها الثانويه فقط و أن الخاطب يكبرها بأكثر من عشر سنوات.. الاب كان مؤيدا لوجهه نظري أما الأم فقد كانت معارضه و كانت تريد اتمام الزواج، فالعريس ميسور الحال و من عائله معروفه و ذو مركز مرموق. طلب مني أبو لمى ان احاول اقناع البنت ووالدتها بعدم جدوي هذا الزواج… قال أنه يخشي لو تعسف برأيه و رفض الزواج ان يؤثر ذلك سلبيا علي علاقته بإبنته و ان يزيد من الهوه التي بينه و بين زوجته. طلب مني ان أحاول معهن لربما سمعتا لصوت العقل ففي النهايه أنا لا ناقه لي و لا جمل في هذا الموضوع و تدخلي هو تدخل طرف محايد يريد المصلحه لجميع الاطراف. لازلت أذكر ذلك اللقاء كانت المتحدثه فيه لمى، اما والدتها فقد إلتزمت الصمت .. بادرتني الفتاه قائله أعلم انني صغيره بالعمر و أعلم أنه يكبرني كثيرا.. أعلم انني لم أتم تعليمي بعد و ليس هناك اي ضمان ان أتمم تعليمي بعد الزواج، لكنه مقتدر وسيوفر لي كل ما اطلبه.. قالتها صريحه، سأقايض سنين عمري و جمالي بفيلا في أحسن مناطق بلدتنا و استقرار مادي و عيشه مرفهه . سأكون مصاحبه لعليه القوم و سيحيط بي الخدم و الحشم من كل جانب..أكملت قائله  انت تعرفين السبب في مشاكل أمي و أبي.. نحن عائله كبيره، كثير من الاخوه و الاخوات.. قضي ابي عمره كله في الخليج يعمل و يوفر القرش فوق القرش الي ان حضرنا الي هنا.. كل سنوات عمر ابي وعمله اسفرت عن ملكيته لفيلا صغيره في احد احياء بلادي المتواضعه و مبلغ من المال احضره معه و قد أوشك هذا المبلغ علي الإنتهاء.. المشاكل القائمه بين أبي و أمي سببها المال.. أنا لا اريد أن اكرر غلطتهم و أن أعيش حياتهم.. لقد عرض العريس المنتظر علي المال و الجاه و المستوي الاجتماعي فلما ارفض؟؟!!! بعد هذا اللقاء فهمت لما إلتزمت الأم الصمت في ذلك اللقاء.. أدركت أنها  كأم ارادت ان تبعد شبح معاناتها الشخصيه عن ابنتها.. لم ترد ان تعيش إبنتها حياتها و لم تنظر الي أبعد من ذلك.. لا أستطيع لومها فهي نفسها كانت في حاله صعبه و لم تكن قدرتها علي التفكير واضحه…فهي تمر بمشاكل مع رفيق العمر قد تسفر عن طلاق و دمار للاسره و تشرد للاولاد.

لم يجد الاب أمامه الا الموافقه و تم العرس أو بالاصح عرسان واحد أقامه  أهل العريس في بلدته و عزموا كبار و عليه القوم ثم حضر العريس ألي هنا و أقام فرحا مماثلا من حيث الفخامه و البذخ.. لمى كانت فراشه طائره تحيط بها هاله من النور.. سعادتها لم  تخفَ على أحد.. زينت يديها و أصابعها و جيدها بالكثير الكثير من الذهب و الاحجار الكريمه.. لم تتوقف عن الرقص و الابتسام طوال الليل ، أما العريس فقد كان سعيدا بدميته الجديده.. تلك الفاتنه الشابه التي ملكها و تملكها بالمال. انتهت الليله وانفض المولد و ذهب كل الي حاله و لم ارَ لمى او اهلها لعده سنوات فقد قرر الأب العوده الى الخليج للعمل من جديد وعادت الام و اولادها الي بلدهم الاصلي حيث المصاريف أقل و امكانيه العيش أرخص من كندا..و لم أعرف ماذا حدث بعد ذلك لاي طرف من الاطراف. يقولون في الامثال ان الاحياء لابد و ان يلتقون في يوم ما..مكالمه من الماضي.. مكالمه من لمى .. حاولت ان تذكرني بنفسها و لم استطيع في البدايه و لكن من خلال الحديث معها تذكرت .. عادت القصه الي من جديد ..طلبت لمي لقائي بشكل عاجل..و قد حدث كل شئ تغير بها.. إبتسامتها يشوبها الكثير من الحزن…. زاد وزنها قليلا و شحبت بشرتها، اما ذلك الشعر الطويل فقد قصر جدا و انهكته الاصباغ ،ما بقي علي حاله فقط كانت عينيها.. فمازالتا تشعان بالحيويه و الإصرار… لمى لم تعد تلك الشابه اليافعه بل هي الآن إمرأه تحمل  علي كاهلها مسؤليه نفسها و مسؤوليه اولادها الصغار…  تحديات في المحاكم ومشاكل لا حصر لها مع زوجها. بعد السلام المفعم بالود بيننا، بدأت قائله لقد كان والدي علي حق.. أخطأت بزواجي .. أكملت، أنت تعرفين القصه من البدايه.. ثم أردفت قائله لم تستمر سعادتي بهذا الزواج الا ثلاثه أشهر .. بعد فرحي في كندا سافرت مع زوجي في رحله طويله حول العالم لمده ثلاثه أشهر زرت فيها الكثير من  الاماكن  الجميله.. أغدق علي الهدايا، كنت أشعر أنه سعيد بي كسعادته بدميه جديده إمتلكها.. سنوات عمره لم تكن تتوافق مع تصرفاته، كان تعامله مع الناس يعكس سطحيته و عجرفته، و لكنني كنت أغض الطرف حتي لا أعكر صفو سعادتي.. عدنا الي بلادنا بعد ان اصر ان مكانه هناك و انه لا داعي لوجودنا في كندا في الوقت الحالي.. إدعى أن عمله في إزدهار و أنه لن يستطيع العيش بنفس المستوي الذي تعود عليه لو عشنا في كندا..لم يكن أمامي سوي الموافقه.. و حمدت الله أن والدتي كانت في نفس البلد و ان والدي قريب في حاله حاجتي اليه .عشت في قصرهم مع والديه كقطعه أثاث لا رأي أو حق لي..  حولي عليه القوم و لكن لا وجود لي بينهم.. حولي الخدم و الحشم و لكن لاحكم لي على حتى ما أشتهي من طعام.. أما ما كان يقوله عن عمله فقد كان كذبه كبري، فوالده هو صاحب العمل و لا دور لزوجي سوي أن يقبض مبلغا من المال آخر كل شهر كإبن لصاحب العمل، لم يكن لديه دافع لشئ. مرت سنوات علي هذا الحال.. لم أحضر الي كندا الا من أجل الولاده. في كل مره كنت أقول أنني لن ارجع و لكن أضطر للعوده صاغره، فلا مقومات لدي لتحمل اعباء الحياه في كندا .. ليس لي أحد هنا يساندني .. ليس لدي قدرات ماديه، ولا أملك حتي مؤهل علمي أو شهاده تساعدني علي إيجاد وظيفه محترمه أستطيع بها أن أعيل نفسي و الاولاد. منذ سنتين عدنا الي كندا  بعد ان ضاق الحال بنا في بلادنا نتيجه الاوضاع السياسيه.. خفت على أولادي و رجوته أن نعود .. بكيت .. صرخت و توسلت له و لاهله ان يقبل و أخيرا وافق، توقعت منه أن يفعل شئ لتأمين حياتنا هنا و لكن خاب ظني.. كنت أتوقع مسؤوليه الاولاد هنا ستدفعه لعمل شئ لهم  لكني كنت مخطئه. نزلت أنا الى ساحه العمل لأعيل اولادي بعدما رفض أن  يعمل، فما زال يعيش بمنطق المدلل لاهله والذي يحصل علي مرتبه دون عمل.. صحيح ان والده ما زال يرسل له حواله شهريه لكنها لا تكفي لإيجار البيت..أما أنا فعملي بسيط لا يتطلب الكثير من المهاره، فأنا لا املك  اي شهاده.. منذ أسبوع أتت والدتي للبقاء معي و مع الاولاد، فإخوتي كبروا و لم يعودوا يحتاجوا اليها ، منهم من يعمل الآن و منهم من هوعلي وشك التخرج من الجامعه .. إستأجرت شقه لي و لإمي و الاولاد .. إنفصلت عنه و سجلت في إحدي الكليات للحصول على دبلوم .. ذلك لم يحرك فيه ساكنا بل دفعه ألي أن يقرر العوده الي كنف والديه. أطرقت نظرها الي الارض  و تنهدت قائله منيت نفسي بالمال و الجاه والحياه المترفه ووقعت في الفخ .. ها أنا اعود لنفس نقطه البدايه بعد عشر سنوات..أعود صفر اليدين.. لا أملك سوي بعض القطع من المصوغات الذهبيه التي إشتراها لي قبل الزواج.. القصر الذي سكنت فيه كان بإسم والديه. رفض أن يكتب بإسمي اي املاك في بلدنا.. أما هنا في كندا فقد رفض ان يتملك شئ حتي لا اخذ نصفه. تدحرجت من عينيها دمعه، مسحتها و قالت لا يهم . أولادي معي و مازلت صغيره في العمر. من أجلهم سأفعل المستحيل.. سأكون الام و الاب و أعلم أني أستطيع ذلك . نظرت اليها بحنو .. لم أستطيع أن أقول شيئا، فلا داعي لأي عتب أو عتاب فالموضوع صعب عليها كما هو… ساعدتها فيما اتت به من اوراق و طلبت منها ان لا تخجل من طلبي اذا ما طرأ جديد و إحتاجتني . رغم قسوه التجربه وألمي من الظروف التي مرت بها لمى الا انني فخوره بها.. أعلم انها ستصل الي هدفها فما زال ذلك الاصرار الذي رأيته يشع من عيناها من عشر سنين يشع بقوه أكبر، إصرارها الآن ليس لتتزوج ممن يكبرها بالعمر و تعتقد أنه سيقدم لها الدنيا علي طبق من فضه  و لكن نظره التحدي و الاصرار الان لها، لتحيا هي و اولادها و ذلك برأي أسمى و أقوى.

شاهد أيضاً

كل عام وأنتم بخير .. زينه سبيل

  مقال زينه سبيل بعنوان   أجراس السماء ترنم على الأرض  ص21 من العدد 64 من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *