شلبكية سريعة
الرئيسية / كتّاب سبيل / شيرين سبيل: الطاووس

شيرين سبيل: الطاووس

كتبت شيرين بسيسو

صفحة 12 العدد الشهري 71 من ساخر سبيل 

كنت إجازتي الأخيره و التي قضيتها مع ابنتي ياسمينا من أجمل الرحلات.. سافرنا الي كوبا و قضينا هناك عشره أيام.. ما ميز هذه الرحله عن اي رحله أخري أن من دفع تكاليفها بالكامل هي إبنتي، فقد و عدتني عند دخولها الجامعه انها و مع حصولها علي شهادتها ستتكفل لنا برحله تدفع هي تكاليفها لتكون هديه لي علي مجهودي معها و هديه لنفسها علي نجاحها و حصولها علي الشهاده.

صغيرتي وعدت و أوفت، فقد عملت على توفير مبلع من المال من خلال عملها الاضافي خلال سنوات الدراسه لتفاجئني بشهر قبل التخرج انها قد حجزت لنا التذاكر و المنتجع.. في واقع الامر عندما وعدتني منذ أربع سنوات لم آخذ الامر على محمل الجد و نتسيته تماما الي ان ذكرتني به مؤخرا عندما أخبرتني بموعد الاقلاع من كندا.

أعددنا حقائبنا و سافرنا ، لم تكن سفره عاديه لأم مع إبنتها بل كانت رحله أم فخوره جدا بصغيرتها التي وعدت و عافرت ونجحت في تحقيق الوعد..

وصلنا الي كوبا و رغم حراره الصيف هناك الا ان المنتجع كان يعج بالزوار.. اناس من جميع الاجناس و الاعمار.. الكل قادم  للراحه و الاستمتاع.. البحر جميل جدا و المياه صافيه.. إعتدنا جميعا ان نقضي النهار بين البحر و المسبح و الاكل الي ان ياتي الليل فيجتمع الزوار في المكان المخصص للبرنامج الموسيقي.

ما كان يميز الرحله هو تلك الطاقه الايجابيه و الهدوء الذي يحيط بالزوار و بالطبع و لان المنتجع لم يكن كبير فالوجوه تتلاقي يوميا و القاء التحيه على بعضنا البعض كان شئيا طبيعيا..ما مميز المنتجع أيضا أن اغلب رواده من كندا و لست أدري السبب وراء ذلك و لكن لاحظت ذلك من خلال المسابقات الترفيهيه و التي يسأل فيها المقدم دوما المتسابق عن اسمه و بلده.

في اليوم الثاني من وصولنا طلبت من ياسمينتي ان تذهب الي الغذاء في المطعم وحدها فلم تكن لي رغبه في الاكل في ذلك اليوم.. كانت الحراره شديده و لم اشعر أنني أريد أن اكون بين عدد كبير من الناس لذلك بحثت عن مكان به ظل و تيار لا بأس به من الهواء و جلست و امامي كوب مثلج من( الليموناده)، استمتع بالفرجه على الزوار تاره و اقرأ في كتاب كان معي تاره أخري. بالقرب مني جلست سيده جميله مع زوجها..مما أثار استغرابي لهذا الثنائي هو الوجوم الذي ارتسم على وجهه الاثنين و الذي لم يكن متناسبا مع الجو العام للمكان.

في بدايه الامر كان الحديث بينهم هامسا ، كان و كأنه شجار و لكن بصوت يكاد لا يكون مسموعا..  كأنني سمعت بعض الكلمات العربيه المتداخله بالانجليزيه و لكنني كذبت نفسي و اذني..لم يخطر على بالي وجود عرب هناك ..فملامحهم يصعب تميزها بسبب لون البشره الداكن و الذي كان من الواضح انه نتيجه تعرضهم للشمس مثلهم كمثل الزوار جميعا…

إرتفع صوت النقاش بينهم وفعلا كانوا عرب .. فقد بدأوا باستخدام العربيه في حديثهم ظنا منهم ان لا أحد سيفهم ذلك الحوار.. حاولت ان اركز انتباهي على الكتاب لكن الصوت كان عالي و النقاش بدأ يدخل في مناطق خاصه، لذا لم أجد أمامي الا التفات لهم و القاء التحيه بالعربي عليهم.. كانت الوسيله الوحيده التي خطرت على بالي حتي لا اجد نفسي داخل نقاش خاص بين زوجين لا ناقه لي فيه و لا جمل.

بهت الاثنين و اعتقد ان الخجل و الاحراج هو ما سيطر عليهم..رد الاثنين السلام والارتباك بادي في صوتهما و لكنني أسرعت قائله من اين الاخوه؟ حاولت ان يكون الامر طبيعي و ان ارسل لهم رساله انني لم احاول التطفل على شؤونهم و ان سلامي و سؤالي كان لتنبيههم ان حديثهم بالعربي حتي في ذلك المكان لا يضمن لهم السريه و الخصوصيه.

رغم حساسيه ما حدث ألا انني أحسست أن الزوجين كانا بحاجه لمن يوقف ذلك النقاش بأي شكل والا كان الامر سيتطور الي اكبر من نقاش حاد..بعد التعارف علمت ان الزوجين من عرب كندا و انهم من سكان فان كوفر..و الطريف انني اكتشفت خلال الحديث عن المنتجع و برنامجه انهم ايضا كانوا قد حجزا  للرحله الي هافانا نفس يوم حجزنا انا و ياسمينا، اذا سنقضي الوقت و الرحله معا.

هدأ الوضع بين الزوجين و قضينا الوقت في الحديث و التعارف.. الزوج يقترب من الستين و الزوجه أصغر قليلا..الزوجه تدير شركه دعايه و اعلان خاصه بها اما الزوج فيعمل في المقاولات..أتت ياسمينا خلال الحديث و تم التعارف بينها و بين الزوجين.. اندمجت ابنتي كثير مع الزوج فالحقيقه ان له كاريزما واضحه و متحدث لبق..لاحظت ان له القدره على الحديث بشتي المواضيع وان له القدره على جذب انتباه الصغير و الكبير.. اصوات الضحكات تعالت بينه و بين ابنتي و هدا الوضع المتوتر بين الزوجين.

بعد مرور ما يقرب من ساعتين قررنا ان يذهب كل الي غرفته لنلتقي على العشاء ثم نقضي السهره معا فقد كانت تلك الليله مخصصه للباليه المائي..استمرت لقاءتنا كل يوم فنحن كنا كمن يعيش في بيت واحد و لكن كل في غرفته..كون اننا عرب و من نفس البلد جعلنا نقترب من بعض كثيرا.. و رغم فارق السن بيننا و بين ابنتي الا انها و الزوج كونا صداقه فاصبحا يقومان بنشاطات المنتجع من مسابقات الي لعب الكوره الي الغطس معا.. اما انا و الزوجه فقد اثرنا الهدوء و الاستمتاع بالبحر و اكواب الليمون المثلج ..

مع توفر الكثير من الوقت و تواجدنا معا كان لابد من الحديث عن انفسنا.. دهشت عندما قالت لي الزوجه انها و زوجها ازواج منذ فقط سنتين .. كنت قد افترضت ان زواجهم كان منذ فتره طويله..و هذه هي الحكايه على لسان الزوجه

قالت: حضرت الي كندا انا و ابني و بنتي منذ 15 عاما بعد وفاه والدهم..عملت في شركه دعايه و اعلان لمده ست سنوات فهمت مضمون العمل و اكتسبت خبره ثم قررت ان افتح شركتي الخاصه.. تعرفت على زوجي اول مره عندما كان ما زال يعمل مهندسا في احدي شركات المقاولات..كنا قد التقينا على عشاء عند صديق مشترك.. تبادلنا اطراف الحديث و عندما علم بطبيعه عملي اخبرني ان الشركه التي يعمل بها تبحث عن شخص يقوم بتصميم الويب سايت لهم و يتولي  لهم حمله دعائيه، أخبرني انه سيخبر شركته عني و انه سيتصل بي قي أقرب وقت.

ايام قليله مرت و اتصل بي و حددنا موعد للقاء.. و فعلا جاء قبل الموعد و تحدثنا كثيرا عن الاستراتيجيه التي اتبعها في شركتي للاعلان و تحدثنا اكثر عن انفسنا و حياتنا..لا بد انك قد لاحظتي ان زوجي صاحب كاريزما عاليه و ان له القدره على استقطاب انتباه الصغير و الكبير..في ذلك الاجتماع علمت انه متزوج و لديه ابناء و انه ينوي ان يفتح شركته في يوم ما لكنه يريد ان يلم باوضاع السوق في كندا اولا. عندما خرج زوجي من مكتبي كنت قد وضعت اول حجر من ذلك الحائط الذي قررت بناءه بيني و بينه حتي لا اعجب به على الصعيد الشخصي.

فعلا حصلت على عقد الشركه بالقيام بالتسويق لهم و بدأت عملي.. كان هو ممثل الشركه و الشخص الذي ارجع اليه في اي سؤال او استفسار… مع انتهاء العقد كنت ايضا قد انتهيت من بناء حائط ضعيف بيني و بينه استطاع بركله واحده ان يسقطه ووقعت في حبه.. عرض على الزواج وقتها لكني و رغم حبي رفضت فهو رجل متزوج و مسؤول عن اولاد.

مرت السنين و علاقتنا لم تنتهِ و حبي لم يقل بل كان يزيد..وفعلا بعد عده سنين استطاع ان يفتح شركه المقاولات كما كان يحلم و انا ايضا ذاع صيتي و اسمي في السوق. أستمرت علاقه الحب بيننا كافلام السينما هو يريد الزواج و انا ارفض حتي الفكره و المانع هو انه متزوج..

كبرنا و كبر الاولاد .. علاقته بزوجته كانت علاقه محايده التزم كل منهم بالدور الاجتماعي المرسوم له.. امام الناس أسره سعيده و خلف الابواب كل في عالمه.. مع مرور الوقت قلت قدرتي على محاربه الفكره و ضعفت.. تزوجنا..من علم بالامر كان فقط بعض الاصدقاء المقربين..الاشهر الاولي كانت جميله و سعيده .. اهتمام و حب .. رسائل .. هدايا ثم تغير الامر..قلت الرسائل و قلت كلمات الحب و تقريبا انعدم الاهتمام… الحجج انه مشغول و لا وقت لديه و انه لا داعي لاي رسائل او هدايا او مكالمات لانني ادرك حبه

رفضت فكره و اخبرته انني زوجه و امرأه و انني مهما بلغت من الاستقلال فانا احتاج اليه.. بلطف اخبرته ان اهتمامه هو كل ما اريد ..طلبت منه ان يعي انني زوجته و ان علاقتنا الان قد تطورت من مجرد حبيبه الي زوجه و لهذا التطور تبعات و مسؤوليات.. الاجابه كانت صادمه و قال لا استطيع اكثر من ذلك ..ثم بدا في اسلوب جديد في التعامل معي.. عند كل مشاده او غضب يرمي الي ان فلانه تخطب وده و ان الاخري تريده له و ان تلك تحاول ان تبني معه علاقه..كأنه يقول لي أشكري الله انك معي و انك زوجتي فالكثيرات يحمن حولي و ربما اقع تحت تأثير احداهن ان لم تهتمي بي..تفاقمت الامور بيننا.. حاولت ان اتكلم.. ان اعلن رفضي.. و لكن عند كل مناقشه كان ينهيها بحجه ان اعصابه لا تحتمل و ان ضغطه قد ارتفع و ان السكر قد علا بسبب كلامي..وانني ساكون السبب في اصابته بجلطه او سكته قلبيه.

لم اعد ادري ماذا افعل، فانا ادرك انني زوجه بحقوق جدا محدوده و لكن حتي القليل من تلك الحقوق لا احصل عليه.. حاولت ان اوضح ان ما اريده هو الاهتمام لكن لا حياه لمن تنادي .. هداني فكري الي ان ارسل له رسائل هاتفيه لعله لو قرأها يعذرني و يفهم ما احاول ان اوصله له لكن الطامه الكبري انه رفض حتي ان يقرأها. بل قالها صريحه انه لن يقرأها

تنهدت الزوجه و قالت اتذكرين عندما القيت علينا التحيه واوقفتي نقاشنا ؟ كنت احاول ان استغل وجودنا هنا في هذا الجو الهادئ و في غياب الروتين اليومي الصعب لاضع طريقه جديده  لتصحيح اوضاع حياتنا الا انه كما رايت ثار و بدا بحديث لا يليق لا بسننا و لا وضعنا و عدنا الى ان فلانه تعشقه و الاخري تهواه دون ان يدري ان ما يقوله يحتقر انسانيتي ويهدر كرامتي و يجرحني.. لفت نظره ان تلك الطريقه غير مجديه معي انني ايضا اتعرض للمعاكسات و الضغوط من قبل من اتعامل معهم و انني لا اخبره بتلك المحاولات لانني احترم مشاعره و رجولته و لكنه صم اذنيه و اغلق قلبه و عينيه

وجودنا في كوبا ما هو الا محاوله اخيره لتصحيح الوضع بيننا الا انها محاوله فاشله.. فكلما تحدثت مع زوجي العزيز عن موضوع ما  في علاقتنا و كان لا يروق له فرش صفوف ريشه الجميل في شكل مروحه عظيمه يستعرض بها  امامي جماله ويذكرني بكم انا محظوظه ان اكون معه.

لم اجد ما اقول سوي ان اتمني لها الراحه و هدوء البال.. دعوت لها ان يفيق الزوج و ان يحاول ان يتفهم وجهه نظر زوجته قبل فوات الاوان.. غادر الزوجين المنتجع بعد يومين من حديثي انا و الزوجه ودعتهم و تمنيت لهم الخير و بقيت انا و ياسمينتي العسل وحدنا لنكمل رحلتنا.

دعوه: يا رجال المريخ نحن نساء الزهره مهما كبرنا او استقلينا او علا مركزنا ففي النهايه الاهتمام و الرعايه و الاحتواء هو كل ما تصبو اليه كل منا.. الكلمه الطيبه لها مفعول السحر .. الهديه على صغرها تجعل المرأه تحلق في السماء السابعه وفوق السحاب.. الاهتمام يشعرها بالامان و السكون.. ولا تنسوا ان النبي عليه السلام اوصي بنا و قال رفقا بالقوارير فأرفقوا بنا.

تحياتي

 

 

 

 

شاهد أيضاً

غزة تتحدى

في ص 26 العدد الأخير من ساخر سبيل  كتبت: ساره الغاوي – أوكفيل القدسُ بيعت …