شلبكية سريعة
الرئيسية / كتّاب سبيل / شيرين سبيل .. العدد 55 ص12

شيرين سبيل .. العدد 55 ص12

آه يا عمر 

كتبت : شيرين بسيسو

ميسيساغا … اونتاريو 

لم يكن غريبا علي ياسمينتي  ابنتي الجميله،  أن تتجه لدراسه القانون ، فمنذ صغرها (ولماضتها) كانت تدفعنا الى ان نقول أن هذه الصغيره تصلح لأن تكون محاميه ممتازه.. طبعا زاد هوسها بالقانون و دراسته أكثر بعد حضورنا إلى كندا و إتجاهي أنا إلى هذا المجال.

منذ أن التحقت ياسمينتي بجامعه يورك و اختارت برنامج القانون والمجتمع لتعد نفسها لدخول كليه الحقوق و أنا لي نصيب في دراستها .. كم هي تلك  المرات التي كانت تمازحني فيها قائله سأتخرج محاميه واكتب إسمي علي مكتبك قبل إسمك لان شهادتي أعلى من شهادتك، لارد قائله أنا الاساس و أنت الفرع وينتهي الامر بضحكنا سويه.

منذ حوالي شهر جاءتني ياسمينتي تطلب مني إصطحابها الي محكمه برامتون الجنائيه  ، فقد طلب منهم المحاضر ان يكتبوا بحثا عن محاكم الكفاله و لأن اوقاتنا أنا و هي لا تتوافق كان الحل هو الذهاب يوم السبت.. صحيح ان جميع المحاكم تغلق ابوابها السبت والاحد لكن محاكم الكفاله تعمل ، فالقانون في كندا ينص علي ان المتهم عندما يلقي القبض عليه له الحق ان يري القاضي خلال 24 ساعه ليقرر له ان يخرج ان وجد من يكفله او يبقي الي ان يظهر له احد.

في ذلك اليوم تسلحت ياسمينا باوراقها و اقلامها الملونه و ذهبنا الي برامتون.. المحكمه شبه خاليه تماما ومن بين عشرات القاعات التي تكون في العاده مشغوله بمئات من البشر كل يوم كانت قاعه واحده فقط المفتوحه يومها..  عند دخولنا الي المحكمه أخبرنا من سألنا من الادعاء اننا هنالك فقط للملاحظه..

جلسنا في الصف الاول و كنا قريبين جدا من ذلك القفص الذي يمثل فيه المتهمين.. على الرغم من بلوغ ياسمينتي الواحد والعشرين من العمر الا ان تلك الطفله الصغيره التي تكمن بداخلها والتي تتحمس و تنفعل لاي اي شئ جديد و مثير كانت ما زالت تظهر علي تصرفاتها.. كانت تاخد ملاحظاتها بحماسه.. تستخدم اقلامها الملونه لتضع بعض الملاحظات تاره او لتكتب لي جمله تثير فيها إبتسامتي تاره أخري.. ثم تميل لتسألني و تستفسر عن بعض النقاط كلما دخلت مجموعه من المتهمين الي القفص.

قررنا انا و حبيبتي الصغيره اننا سنغادر خلال 15 دقيقه فقد جمعت ما ارادت من معلومات و لم يعد هنالك حاجه الى بقائنا .. و فجأه و مع دخول آخر فوج من المتهمين سقط القلم من يد ياسمينا و شحب وجهها تماما كأنما رأت شبحا.. لم أفهم ماذا حدث و ملت عليها و سالتها هامسه ما بالك؟ أجابت إنه عمر زميلي و صديقي في الجامعه .. لما هو هنا؟؟ و اشارت بعينيها الي شاب ماثل في قفص الاتهام يماثلها في العمر  وتبدو عليه ملامح الصلاح.. أمسكت بيدها قائله سنعرف الان، اصبري!!

جاء دور عمر أخيرا .. عمر متهم بالتعدي علي امه و ضربها ضربا مبرحا .. تهمه مهوله أفقدتني أنا النطق.. سأل القاضي عمر أن كلن هنالك في القاعه من يكفله فرفع أخوه يده .. الاجراءات تمت بسرعه  وانتهي الامر ان يذهب عمر مع اخوه و ان يبقي تحت رعايته الي ان يتم الانتهاء من القضيه.. القاضي وجه عبارات شديده اللهجه الي الفتى و خصوصا ان المتضرر هنا هي أمه..

طوال الوقت لم يرفع عمر عينيه في أحد و كانت الدموع تنهمر منها معبرا عن ندمه لما فعل و هذا ما جعل القاضي يرأف بحاله و يخرجه بكفاله أخاه.. حالة عمر ساءت أكثر عندما رأي صغيرتي في قاعه المحكمه، شحب وجهه أكثر و شعرت من حركاته انه يتمني لو ان الارض تنشق و تبتلعه. بعد إنتهاء المحكمه من موضوع عمر خرجنا انا و ياسمينا والذبول باد عليها .. في عينيها مئه سؤال وإستفسار.. جلست صامته تماما خلال رحله العوده الي المنزل.. أفهم تماما ما يدور في رأسها و ليس لدي أي إجابه لذلك التزمت أنا ايضا الصمت، مرت عده أسابيع و مازالت ياسمينتي ذابله.. اخبرتني انها حاولت الاتصال بعمر لكن هاتفه مغلق.. اخبرتني كيف انها تبحث عنه كل يوم في الجامعه و قاعات المحاضرات لكن لا أثر له .

بالامس جاءت الصغيره بالحقيقه كامله، فقد ظهر عمر أخيرا و كانت ياسمينا أول من اراد ان يري ليشرح لها الموقف.. كيف لا و هي من كانت في قاعه المحكمه بعدما القي القبض عليه و مثل امام القاضي في تلك التهمه الشائنه، يعيش عمر مع والدته و اخوه الاكبر منه و اخته الصغيره التي تبلغ من العمر خمس سنوات.. والد عمر توفي و امه حامل في اخته الصغيره.. الاب  حضر الي كندا منذ عده سنين مصطحبا معه عمر و اخوه ووالدته.. والد عمر كان يحمل شهاده جامعيه عاليه و لكن ذلك لم يساعده في الحصول علي عمل مناسب، و كغيره من الكثيرين من أصحاب الشهادات الذين حضروا الي كندا و لم يحالفهم الحظ بان يعملوا في شهاداتهم ، التحق بعمل بسيط لا يتناسب مع شهادته  كان فقط عمل لإعاله الاسره، حياه عمر و اخوه و امه تغيرت تماما بعدما فشل الاب في الحصول علي عمل مناسب. أصبح الاب شديد العصبيه و اصبح يلوم عائلته علي انها السبب في قبوله ذلك العمل المزري .. كان يكرر علي مسامعهم  انهم لو لم يكونوا في حياته لما احتاج لان يعمل ما يعمل في ذلك الوقت..و بعد فتره من الزمن بدأ الاب في إستخدام العنف مع الاولاد و زوجته لاقل الاسباب ثم أكتملت المأساه عندما أتجه الي المخدر للهروب من واقعه

ألام و الاولاد صابرون و يلتزمون الصمت.. لا يستطيعون اللجوء لاحد خوفا من الفضيحه والاب متماد في عنفه و استسلامه للمخدر.. عمر أخبر ياسمينا و هو يبكي كيف ان اباه كان عندما يعود  الي المنزل لينفث عن غضبه بضرب الاولاد ضربا مبرحا.. كان يمسك رأس عمر و يضربه بالحائط و عندما يحاول الاخ او الام التدخل كان يصيبهم جزء لا بأس به من ذلك العنف، سنوات مرت علي ذلك الحال و الأم تصبر الاولاد و تشجعهم علي الدراسه لانها ملاذهم الوحيد ، فالتعليم هو السبيل الوحيد الي وظائف محترمه  ومعيشه افضل.. أما الاب فمستسلم تماما للياس و المخدر.. عمر أخبر صغيرتي كيف أنه كان كثيرا من الاحيان  يمتنع هو و أخاه عن الذهاب الي المدرسه خوفا من ان تري المدرسه اثار الضرب و الكدمات و تخبر الشرطه. كان من الطبيعي و بعد كل هذا الضرب و القسوه ان يتأثر الاولاد صحيا.. فقد كان الاب يعمد الي ضرب رأس عمر بالحائط الي ان تخور قواه.. بدأت نوبات من الهيجان و الاغماء تصيب عمر و بدات الام في رحله الم جديده في معالجه الولد.. كم من المرات سالها الطبيب هل تعرض عمر لضرب علي راسه وكم هي المرات التي كانت تبرر الام السبب قائله ان عمر كان ولدا حركا شقيا و هو طفل و انه كان دائم السقوط علي رأسه، لم يكن الطبيب مقتنعا كثيرا بكلام الام لكنه لم يكن لديه كذلك الدليل علي نفيه..كان الحل هو وصف أدويه و مهدئات لعمر حتي يستطيع التعايش مع تلك النوبات و تلك الحاله الصحيه التي اصبحت ملازمه له. مات الاب بعد جرعه مخدر زائده وترك وراءه  زوجه حامل في شهرها الثاني و اولاد في المدارس..عمدت أم عمر علي رعايه اولادها بكل الوسائل و لم تكن المهمه سهله فهي حامل و الاولاد في المدارس لا يستطيعون العمل.. لكن ما كان يخفف عنهم جميعا ان قسوه الاب و اذاه قد انتهى..

مرت السنوات تلو السنوات  و الأم تكافح من اجل أسرتها والأولاد مصرون علي تعويض أمهم، اجتهدوا في المدارس و وحاولوا القيام ببعض الاعمال المؤقته خلال العطله الصيفيه او عطل نهايه الاسبوع لتغطيه بعض مصاريفهم الشخصيه .. فالمعاناه التي مروا بها مع الاب جمعتهم معا و قوه اواصر العلاقه بينهم.. اما الطفله الصغيره فقد رحمها الله من ان تعيش مع اب قاس يعلم الله ماذا كان سيحل بها لو استمر علي قيد الحياه، عمر و اخاه كانا نعم الاب لهذه الصغيره، بدات الام تشعر بقرب حلول الفرج عندما تخرج اخو عمر مؤخرا و تبقي سنه واحده لعمر كي يتخرج.. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان .. بدأت حاله عمر الصحيه تتدهور و لم تعد الادويه كافيه للتحكم في حالات الهيجان التي اصبحت تزداد يوما بعد يوم الي ان اتي ذلك اليوم المشؤوم و اتت النوبه لعمر و بدا في الصراخ والزعيق ، اخذ عمر يضرب راسه بالحائط ، حاولت الام منعه لكنه  و من دون وعي تهجم عليها و بدا في ضربها .. كانت جارتهم زائره لهم في ذلك الوقت.. كانت تعلم عن حاله عمر الصحيه لكنها لم تر اي من تلك النوبات.. فزعت الجاره و اتصلت بالشرطه التي اتت و القت القبض علي عمر. بات عمر ليلتها في المستشفي بعد حقنه بمهدئ قوي ووجهة له تهمه التعدي على أمه. وعلى الرغم من صدور امر بعدم رؤيه عمر لوالدته بإعتبار أنها هي الضحيه الا انهم تلاقوا، فالام تعلم ان ابنها لا يقصد لها الاذي اما الابن فقد قبل قدمي امه معتذرا باكيا نادما كارها لنفسه و حالته الصحيه و متمنيا موته لانه سبب الاذي لتلك الام العظيمه الصابره. أنتهت ياسمينا من سرد قصه عمر  والدموع في عينيها و ببراءتها المعهوده سالت كيف نستطيع مساعده عمر و امه.. أخذتها بين ذراعي  وقبلت راسها قائله لا ادري حبيبتي لا أدري.. لندعو لهم..أنا فعلا لا أدري كيف أستطيع مساعده عمر و امه  و ليس لدي سوى الدعاء لهم … لكنني هنا أناشد كل اب و كل ام ان ينظروا بعين الرفه الي اولادهم.. لم يكن اختيار الاولاد الحضور الي كندا.. لم يكن إختيار الاولاد ان لا نجد عملا يناسب شهادتنا او خبرتنا  لم يكن إختيار الاولاد ان تقسو علينا الحياه لتعلمنا من الدروس ما لا نستطيع تعلمه في الكتب..فإذل لم يكن لهم ذنب او خيار لما إذن نحملهم تلك المسؤوليه و ندمرهم.. لما نجعلهم وقود و نلقي بهم في نار فشلنا، كراهيتنا  او احقادنا..طالما سمعت من والدي رحمه الله يردد هذه العباره “إنما اولادنا أكبادنا تمشي علي الارض” من منكم يستطيع ان يفعل بكبده ما فعله ابو عمر بعمر؟؟ سؤال يستحق الإجابه!!

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

من التراث الشعبي الفلسطيني.. كالت لي أمي .

من ص20 فاكر سبيل العدد 56 من جريدة ساخر سبيل كالت لي امي   كتب …