شلبكية سريعة
الرئيسية / عابر سبيل / هل نقول: نحن،  أم نقول: الأعراب ؟ 

هل نقول: نحن،  أم نقول: الأعراب ؟ 

ص4 – العدد 71 من ساخر سبيل الشهرية

عابر سبيل لهذا العدد الدكتور : بشير محمد الخضرا.

 

لقد أصبح استعمال ضمير “نحن” هذه الأيام في بعض المواقف موضع جدل. مَن منا لا يعرف معنى الضمير “نحن” معبرا عن التكلم نيابة عن جماعة لها صفات معينة تصف المجموع وتعبر عنه؟ هكذا تعلمنا منذ الصفوف الأولى في المدرسة، وأصبحنا نستعمل هذا الضمير عندما نتحدث عن الأسرة، أو القبيلة أو الشركة أو الشعب أو الأمة، أو حتى البشر بشكل عام، عندما نقارن أنفسنا كحيوانات ناطقة أو مفكرة أو ضاحكة بالحيوانات الأخرى.  على ضوء ما جرى خلال العقود الأخيرة من تفكيك للعرب ودولهم وانقسامهم تحت قسوة الخطوب المخطط لها على مدار مئات السنين، أصبحتُ أتحفظ على استعمال كلمة “نحن” في بعض المواقع التي ذكرت، مع بقائها مشروعة الاستعمال في بعض ما ذكرتُ من أحوال. فمثلا، نستطيع القول إنه ما زال أمامنا فرصة لاستعمال هذا الضمير على مستوى الأسرة، ما دامت الأسرة موحدة وغير منقسمة على نفسها، ولكن إذا انتقلنا إلى مستوى العشيرة قد نجد صعوبة في التطبيق لكثرة الانقسامات والصراعات التي غالبا ما نشاهد دلائل عليها. ولكننا نواجه صعوبة كبيرة عندما نتحدث عن نطاق أوسع مثل الوطن، الشعب، الأمة، أو مجموعة الشعوب “العربية”، لأن المشكلة هي أنك لا تستطيع منطقيا أن تستعمل هذا الضمير عن مجموعة معينة ما لم يكن هناك من يمثل أهدافها وآمالها وآلامها ويعبر عن درجة معينة من وحدتها، وأن يكون هذا التمثيل ذا قبول قوي لدى الأغلب من أفراد المجموعة. فعندما لا يكون هناك أي جهة (فرد أو فئة أو فريق، إلخ) تمثل المجموعة بحق فليس من المنطق القول بصيغة نحن، إلاّ إذا كان هناك دلالة سلبية. فمثلا، يمكن أن تقول: نحن مهزومون، أو حكوماتنا فاسدة، أو نحن لا نستطيع القضاء على الفساد “لأن الفساد موجود في كل العالم، كما قال مسؤول “عربي” كبير يوما ما عن صفقة بالمليارات.  على المستوى العربي بخاصة، من الخطأ الآن التحدث عن المجموعات التي تحمل صفة عربي بصيغة “نحن” لأنه لا يوجد الأن “نحن” عربية بالمعنى الإيجابي، وأصبحنا أسوأ من وضع العرب في جزيرتهم وعراقهم وشآمهم قبل مجيء الإسلام وتوحيدهم ليستطيع العربي أن يقول “نحن”  بثقة (إن لم نقل “بفخر”). فالأقوام التي تسكن اليوم هذه المناطق الشاسعة والغنية ويسمَّون عربا ليس بينهم من  يستطيع إثبات تمثيل أهدافهم وآمالهم وآلامهم ويقف أمام أعدائهم وقفة عز وشرف وكرامة، سواءً كنا نتكلم على مستوى البلد الواحد أو الإقليم أو ” العالم العربي” بعامة. فمثلا، من الخطأ الآن القول إننا سوف نقاوم إسرائيل ونهزمها، أو إننا “كعرب” سوف ننجح في رفض “صفعة” القرن وإسقاطها، أو أننا سوف نقضي على الفساد في بلادنا، لأن الضمير(كتعبير عن الجماعة) غير موجود، ولأن الضمير كصفة أخلاقية غير موجود حيث يجب أن يكون. فلا توجد ال “نحن” التي تمثلنا بهذه الصفة. فهذا النوع من الكلام نوع من العبث وخداع النفس، حيث لا “نحن”. فهذا الضمير المكون من ثلاثة حروف خطير للغاية، فله علاقة بالهوية والانتماء واحترام الذات الشخصية والوطنية والقومية، وأهم من كل ذلك، له علاقة وثيقة بالتمثيل. وإذا سقط استعماله سقط كل ما يتعلق بالهوية والانتماء واحترام وتقدير الذات والتمثيل.

نقول هذا عن أعراب اليوم على الرغم من أن الله حباهم من الثروات ما لم يكن متوافرا لدى أعراب ما قبل الإسلام، الذين كانوا ضائعين بين روم وفرس وداحس والغبراء، ولم يكونوا يعلمون بوجود تلك الثروات في بواطن أراضيهم، ولم يكن بالإمكان معرفة تقنيات استثمار تلك الموارد، وتلك كانت حال العالم آنئذ. ففي غابر العصور كانوا “أعرابا” يعتز كل منهم بقبيلته، وفي نفس الوقت يعتز بذاته أكثر، ولديه استعداد لقتل ابن من تقول لأمه: “ناوليني ذلك الصحن”. وهذا يذكرنا أيضا بأن أعراب الأندلس، بعد كل الإنجازات التي حققوها، أصبحوا في القرن الأخير يفتقدون أحقية استعمال ضمير “نحن” كعرب، لأن ما كان يشغل المدّعين بتمثيلهم، التنافسُ على الحكم والاستعداد لقتل أي شخص يشكُّ الحاكم  في أنه سوف ينافسه في أي وقت أو أي شكل من الأشكال، أما التمثيل فلم يكن له أي وزن حقيقي، حتى أصبحت المنافسة على الحكم الشغل الشاغل للمدّعين بتمثيلهم. وفي النهاية قال عنهم الشاعر:

بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم         واليوم هم في بلاد البغي عُبدانُ

 

ويمكن أن نجري بعض التعديل على هذا البيت العتيد من الشعر بأن نقول عن “ممثلينا”: “….واليوم هم في بلاد العُرب عبدانُ”، أي في بلادهم (بالأحرى بلادنا)، لأنهم ربما يمتازون عن أجدادهم بأنهم أصبحوا  في بلادهم عبدانا. وهذا ما ألمح إليه الدكتور عبد الله النفيسي في مقال جديد وهو يقتبس كلاما من أعدائنا يفصحون فيه عن أهدافهم القاضية بجعل أسيادنا عبيدا لهم. وهذا يشير إلى خطورة النسب لهذه ال “نحن”، فإذا كانت نية  الأعداء تحويل “ممثلينا” المدّعين إلى عبيد، فماذا سيكون من لا يملك القوة؟ هؤلاء اليوم هم في موقع أعراب الجزيرة والعراق والشآم، كما هم في موقع أعراب الأندلس في آخر المطاف، إن لم يكن أسوأ. كما أصبح من يتجرؤون على استعمال كلمة “نحن العرب” في هذه الأيام في في حرج كبير، فعن أي عرب يتكلمون؟. وما دام هذا المجموع لا يجد من يحمل ثقته ليمثل أهدافه وآماله وآلامه، فلا يجوز له استعمال كلمة “نحن” قاصدا العرب (إلّا بالمعنى السلبي)، ولا حتى قاصدا بلده أو وطنه لفقدان التمثيل. ولذلك، وحتى يزول هذا الوضع بمعجزة ما، يجب أن نقول عن هذا المجموع: “الأعراب” بالمعنى الذي ذكره القرآن الكريم: “الأعراب أشد كفرا ونفاقا”. بل إن من يستعمل اليوم اصطلاح “نحن العرب” يشعر بمنتهى الذل والهوان والاحتقار، سواء على المستوى الكلي أو الإقليمي أو المحلي، فلا نستطيع الآن القول: “نحن العرب” أو “نحن الفلسطينيين” أو “نحن المصريين” أو “نحن الأردنيين”، أو “نحن السوريين”  إلى آخر القائمة، باستثناءات بسيطة حتى الآن، وقد تذوب هذه الاستثناءات مع نجاحات أعدائنا في إذلالنا. ولو قام أحد بإجراء دراسات ميدانية تهدف إلى معرفة درجة اعتزاز الإنسان بعروبته أو أي جزء منها، لتَوَصًّل إلى نتيجة بلوغنا إلى أدنى درجة من الاعتزاز واحترام الذات القومية او الوطنية،  خلافا لما يصوره الإعلام الموجه الذي لا ينفك يوهمنا بأننا أكرم وأشجع وأعز مخلوقات كرامة، ولا ينفك يخترع الأغاني التي تمتدح الممثلين عنا ويمجد “إنجازاتهم” في قهر شعوبهم. ولكن الغريب أننا إذا تدرّجنا إلى مستوى أوسع من الحياة أو الحيوان بعامة، نستطيع ببساطة أن نستعمل ضمير “نحن” معبرين عما يجمعنا كحيوانات ناطقة أو ضاحكة أو مفكرة تمييزا عن الحيوانات الأخرى، كأن نقول: “نحن كحيوانات ناطقة مفكرة ضاحكة أكثر الحيوانات إجراما وفتكا بأمثالها وبالحيوانات الأخرى”. هنا نحن هي “نحن”. ولا غضاضة في استعمال كلمة “الحيوان” في هذا المجال، فالله تعالى وظفها في أروع موقع يتوق إليه أي إنسان، بقوله تعالى: “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان المبين”، حيث قد يتاح للبعض منا أن يعتزوا بحصيلة أعمالهم بعد البعث من القبور!

 

شاهد أيضاً

ماذا لو اختفى العرب فجأة… بالكم بصير اشي؟؟؟

أمة الكلام ..! أكرم عطا الله ماذا لو اختفى العرب جميعاً؟ ماذا لو أفاق العالم …